عبد القاهر الجرجاني

69

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

أُخرى " فالأصْل في هذا : أَراكَ في تَردُّدِك كَمَنْ يُقَدِّمُ رجْلاً ويؤخِّر أُخرى ، ثم اخْتُصِرَ الكلامُ ، وجُعِل كأنه يُقدِّم الرِّجْلَ ويُؤخِّرها على الحقيقة ، كما كان الأصْلُ في قولك : " رأيتُ أَسَداً " رأَيتُ رجلاً كالأسد ، ثم جُعِل كأنه الأَسَدُ على الحقيقة . وكذلك تقولُ للرجل يَعْمَل في غيرَ مَعْمَل 1 : " أَراك تَنفُخُ في غير فحمٍ ، وتَخُطُّ على الماء " ، فَتجْعلُه في ظاهرِ الأمرِ كأنه ينفخ ويخط ، والمعنى على ذلك أنك في فِعْلِك كمنْ يَفْعل ذلك ، وتقولُ للرَّجلِ يُعمِلُ الحيلةَ حتى يُميلَ صاحبَه إلى الشَّيءِ قد كان يأباهُ ويَمْتنعُ منه : " ما زال يَفْتِل في الذِّروة والغارِب حتى بَلغَ منهُ ما أَراد " ، فتَجْعلُه بظاهرِ اللّفظِ كأنه كان منهُ فَتْلٌ في ذِرْوَةٍ وغاربٍ ، والمعنى على أنَّهُ لم يَزَلْ يَرْفِقُ بصاحبهِ رِفْقاً يُشبهُ حالُه فيه حالَ الرجل يَجيء إلى البعيرِ الصَّعْب فيَحكُّه ويفتلُ الشَّعرَ في ذروتِه وغاربِه ، حتى يَسْكنَ ويَسْتأنسَ ، وهو في المعنى نَظيرُ قولهم " فلان يقرد فلاناً " يعنى به أن يتطلف له فعلَ الرجلِ يَنْزَعُ القُرادَ منَ البعيرِ ليلذَّهُ ذلك ، فيَسْكُن ويَثْبتُ في مكانه حتى يتمكَّن من أَخْذه ، وهكذا كل كلامٍ رأيتَهم قد نحوا فيه نحو التّمثيلَ 2 ، ثم لم يُفْصحوا بذلك ، وأَخرجوا اللَّفظَ مخرَجَه إذا لم يريدوا تمثيلًا .

--> 1 في " ج " والمطبوعة ، بإسقاط " في " ، والمعنى : من غير فائدة ولا جدوى . 2 في المطبوعة : " نحوا فيه التمثيل " وفي " س " : " به نحو التمثيل " .